كتمان العلم
إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم (160)
==============================
سبب النزول
1. نزلت هذه الآية الكريمة من أهل الكتاب حين سئلوا عما جاء في كتبهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم فكتموه ، ولم يخبروا عنه حسدا وبغضا . .
2. روي السيوطي في « الدر المنثور » عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ( معاذ بن جبل ) وبعض الصحابة سألوا نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه ، وأبوا أن يخبرونهم ، فأنزل الله فيهم { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى } .
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى : قوله تعالى { في الكتاب } المراد بالكتاب الكتب التي أنزلها الله لهداية البشرية ، ف ( أل ) تكون ( للجنس ) مثلها في قوله تعالى : { والعصر* إن الإنسان لفى خسر } [ العصر : 1-2 ] وقيل : المراد بالكتاب التوراة والإنجيل ، فتكون ( أل ) للعهد الذهني .
اللطيفة الثانية : عبر باسم الإشارة البعيد { أولئك يلعنهم الله } تنبيها على قبح عملهم وغاية بعده في الإجرام ، والإفساد ، وأبرز الخبر في صورة جملتين توكيدا وتعظيما لخطورته ، وأتى بالفعل المضارع المفيد للتجدد لتجدد مقتضيه ، وأبرز اسم الجلالة { يلعنهم الله } على سبيل الإلتفات لتربية المهابة ، وإدخال الروعة ، إذ لو جرى على نسق الكلام المتقدم لقال ( أولئك نلعنهم ) .
اللطيفة الثالثة : في قوله تعالى : { ويلعنهم اللاعنون } ضرب من البديع يسمى ( الجناس المغاير ) وهو أن يكون إحدى الكلمتين إسما ، والأخرى فعلا كما في هذه الآية .
اللطيفة الرابعة : قوله تعالى : { وأنا التواب الرحيم } جاء اللفظان بصيغة المبالغة ، لأن ( فعال ) و (فعيل) من صيغ المبالغة كما قال ابن مالك :
فعال أو مفعال أو فعول ... في كثرة عن فاعل بديل
والمعنى : كثير التوبة ، واسع المغفرة والرحمة .
خاتمة البحث :
حكمة التشريع :
جاءت الشرائع السماوية ، لهداية البشرية ، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وقد أمرنا الإسلام بتعليم الجاهل ، وهداية الضال ، ودعوة الناس إلى الله ، حتى تقوم الحجة على الناس ، ولا يبقى لأحد عذر عند الله يوم القيامة .
ولما كان ما أنزله الله من البينات والهدى ، لم ينزل إلا لخير الناس ، وهداية البشرية إلى الطريق المستقيم ، وكان كتم العلم وعدم تبليغه إلى الناس فيه تعطيل لوظيفة الرسالة ، التي بعث الله بها رسله وأنبياءه ، وفيه خيانة للأمانة التي ائتمن الله عليها العلماء { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه . . . } [ آل عمران : 187 ] لذلك فقد شدد الله النكير على من كتم شيئا مما يحتاج الناس إليه ، وخاصة من أمور الدين ، وأوعد بالعذاب الأليم لكل من كتم آيات الله ، أو أخفى أحكام الشريعة ، لأن الكتمان جرم عظيم ، يستحق مرتكبه اللعن والإبعاد من رحمة الله عز وجل .
وفي هذا دلالة واضحة ، على عناية الإسلام العظيمة ، بنشر العلم والثقافة ، لتبليغ دعوة الله إلى الناس وانتشال الأمة من براثن الجهل والضلالة ، فنشر العلم عبادة ، وكتمه جناية ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : » بلغوا عين ولو آية « وقال صلوات الله وسلامه عليه : » من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار « .
Tidak ada komentar:
Posting Komentar