فذهب جمهور العلماء : من أهل السنة والجماعة إلى أن السحر له حقيقة وتأثير
ذهب المعتزلة
وبعض أهل السنة :
إلى أن السحر ليس له حقيقة في الواقع وإنما هو خداع ، وتمويه ،
وتضليل ، وأنه باب من أبواب الشعوذة ، وهو عندهم على ضروب .
ضروب السحر
ضروب السحر
أولا :
التخييل والخداع : وذلك كما يفعله بعض المشعوذين ، حيث يريك أنه ذبح عصفورا
، ثم يريك العصفور بعد ذبحه قد طار ، وذلك لخفة حركته ، والمذبوح غير الذي طار
لأنه يكون معه اثنان ، قد خبأ أحدهما وهو المذبوح وأظهر الآخر . قالوا : وقد كان
سحر سحرة فرعون من هذا النوع ، فقد كانت العصي مجوفة ، قد ملئت زئبقا ، وكذلك
الحبال كانت من أدم ( جلد ) محشوة زئبقا ، وقد حفروا تحت المواضع أسرابا وملؤها
نارا ، فلما طرحت عليها الحبال والعصي وحمى الزئبق تحركت ، لأن من شأن الزئبق إذا
أصابته الحرارة أن يتمدد ، فتخيل الناس أن هذه الحبال والعصي تتحرك وتسير .
ثانيا :
الكهانة والعرافة بطريق التواطؤ وذلك كما يفعله بعض العرافين والكهان حيث
يوكلون أناسا بالاطلاع على أسرار الناس ، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها ،
ويزعمون أنها من حديث الجن والشياطين لهم ، وأنهم يتصلون بهم ويطيعونهم بواسطة
الرقي ، والعزائم ، وأن الشياطين تخبرهم بالمغيبات فيصدقهم الناس ، وما هي إلا
مواطأة مع أشخاص قد أعدوهم لذلك .
قال الجصاص :
كانت أكثر مخاريق الحلاج بالمواطأة ، فكان يتفق مع جماعة فيضعون له
خبزا ولحما وفاكهة في مواضع يعينها لهم ، ثم يمشي مع أصحابه في البرية ، ثم يأمر
بحفر هذه المواضع ، فيخرج ما خبئ من الخبز واللحم والفاكهة ، فيعدونها من الكرامات
.
ثالثا :
وضرب آخر من السحر عن طريق النميمة ، والوشاية ، والإفساد من وجوه خفية
لطيفة ، وذلك عام شائع في كثير من الناس . . وقد حكي أن امرأة أرادت إفساد ما بين
زوجين ، فجاءت إلى الزوجة فقالت لها : إن زوجك معرض عنك ، وهو يريد أن يتزوج عليك
، وسأسحره لك حتى لا يرغب عنك ، ولا يريد سواك ، ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه
بالموسى ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها حتى يتم سحره ، فاغترت المرأة بقولها
وصدقتها ، ثم ذهبت إلى الرجل وقالت له : إن امرأتك قد أحبت رجلا وقد عزمت على أن
تذبحك بالموسى عند النوم لتتخلص منك ، وقد أشفقت عليك ولزمني نصحك ، فتيقظ لها هذه
الليلة وتظاهر بالنوم فستعرف صدق كلامي ، فلما جاء الليل تناوم الرجل في بيته
فجاءت زوجته بالموسى لتحلق بعض شعرات من حلقه ، ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت
بالموسى إلى حلقه ، فلم يشك في أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها ، فبلغ الخبر
إلى أهلها فجاءوا فقتلوه ، وهكذا كان الفساد بسبب الوشاية والنميمة .
رابعا :
وضرب
آخر من السحر وهو الاحتيال وذلك بإطعام الإنسان بعض الأدوية المؤثرة في العقل ، أو
إعطائه بعض الأغذية التي لها تأثير على الفكر والذكاء ، كإطعامه ( دماغ الحمار )
الذي إذا أطعمه إنسان تبلد عقله ، وقلت فطنته مع أدوية أخرى معروفة في كتب الطب ،
فإذا أكله الإنسان تصرف تصرفا غير سليم فيقول الناس : به مس أو أنه مسحور .
فأنت ترى أنهم يرجعون السحر إما إلى تمويه وتخييل ، وإما إلى مواطأة ، وإما إلى سعي ونميمة ، وإما إلى احتيال ، ولا يرون الساحر يقدر على شيء مما يثبته له الآخرون من التأثير في الأجسام ، ومن قطع المسافات البعيدة في الزمن اليسير .
فأنت ترى أنهم يرجعون السحر إما إلى تمويه وتخييل ، وإما إلى مواطأة ، وإما إلى سعي ونميمة ، وإما إلى احتيال ، ولا يرون الساحر يقدر على شيء مما يثبته له الآخرون من التأثير في الأجسام ، ومن قطع المسافات البعيدة في الزمن اليسير .
قال أبو بكر الجصاص :
وحكمة كافية تبين لك أن هذا كله مخاريق وحيل ، لا حقيقة لما
يدعون لها أن الساحر والمعزم لو قدرا على ما يدعيانه من النفع والضرر ، وأمكنهما
الطيران ، والعلم بالغيوب ، وأخبار البلدان النائية ، والخبيثات والسرق ، والإضرار
بالناس من غير الوجوه التي ذكرنا ، لقدروا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز ،
والغلبة على البلدان بقتل الملوك بحيث لا ينالهم مكروه ، ولا ستغنوا عن الطلب لما
في أيدي الناس .
فإذا لم يكن كذلك ، وكان المدعون لذلك أسوأ الناس حالا ، وأكثرهم طمعا واحتيالا ، وتوصلا لأخذ دراهم الناس وأظهرهم فقرا وإملاقا علمت أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك « .
فإذا لم يكن كذلك ، وكان المدعون لذلك أسوأ الناس حالا ، وأكثرهم طمعا واحتيالا ، وتوصلا لأخذ دراهم الناس وأظهرهم فقرا وإملاقا علمت أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك « .
أدلة المعزلة :
استدل المعتزلة على أن السحر ليس له حقيقة بعدة أدلة نوجزها :
استدل المعتزلة على أن السحر ليس له حقيقة بعدة أدلة نوجزها :
أ - قوله تعالى : { سحروا أعين الناس واسترهبوهم } [ الأعراف : 116 ] .
ب - قوله تعالى : { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } [ طه : 66 ] .
ج - قوله تعالى : { ولا يفلح الساحر حيث أتى } [ طه : 69 ] .
فالآية الأولى : تدل على أن السحر إنما كان للأعين فحسب ، والثانية : تؤكد أن هذا السحر كان تخييلا لا حقيقة ، والثالثة : تثبت أن الساحر لا يمكن أن يكون على حق لنفي الفلاح عنه .
د - وقالوا : لو قدر الساحر أن يمشي على الماء ، أو يطير في الهواء ، أو يقلب التراب إلى ذهب على الحقيقة ، لبطل التصديق بمعجزات الأنبياء ، والتبس الحق بالباطل ، فلم يعد يعرف ( النبي ) من ( الساحر ) لأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء ، وفعل السحرة ، وأنه جميعه من نوع واحد .
أدلة الجمهور :
واستدل الجمهور من العلماء على أن السحر له حقيقة وله تأثير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي :
أ - قوله تعالى : { سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم } [ الأعراف : 166 ] .
ب - قوله تعالى : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [ البقرة : 102 ] .
ج - قوله تعالى : { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله } [ البقرة : 102 ] .
د - قوله تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } [ الفلق : 4 ] .
واستدل الجمهور من العلماء على أن السحر له حقيقة وله تأثير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي :
أ - قوله تعالى : { سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم } [ الأعراف : 166 ] .
ب - قوله تعالى : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه } [ البقرة : 102 ] .
ج - قوله تعالى : { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله } [ البقرة : 102 ] .
د - قوله تعالى : { ومن شر النفاثات في العقد } [ الفلق : 4 ] .
فالآية الأولى
دلت على إثبات حقيقة السحر بدليل قوله تعالى : { وجآءوا بسحر عظيم }
[ الأعراف : 166 ]
والآية الثانية
أثبتت أن السحر كان حقيقيا حيث أمكنهم بواسطته
أن يفرقوا بين الرجل وزوجه ، وأن يوقعوا العداوة والبغضاء بين الزوجين فدلت على
أثره وحقيقته ،
والآية الثالثة
أثبتت الضرر للسحر ، ولكنه متعلق بمشيئة الله ،
والآية الرابعة
تدل على عظيم أثر السحر حتى أمرنا أن نتعوذ بالله من شر السحرة
الذين ينفثون في العقد .
ه - واستدلوا بما روي « أن يهوديا سحر النبي صلى الله
عليه وسلم فاشتكى لذلك أياما ، فأتاه جبريل فقال : إن رجلا من اليهود سحرك ، عقد
لك عقدا في بئر كذا وكذا ، فأرسل صلى الله عليه وسلم فاستخرجها فحلها ، فقام كأنما
نشط من عقال » .
الترجيح : ومن استعراض الأدلة نرى أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلا فإن السحر له حقيقة وله تأثير على النفس ، فإن إلقاء البغضاء بين الزوجين ، والتفريق بين المرء وأهله الذي أثبته القرآن الكريم ليس إلا أثرا من آثار السحر ، ولو لم يكن للسحر تأثير لما أمر القرآن بالتعوذ من شر النفاثات في العقد ، ولكن كثيرا ما يكون هذا السحر بالاستعانة بأرواح شيطانية فنحن نقر بأن له أثرا وضررا ولكن أثره وضرره لا يصل إلى الشخص إلا بإذن الله ، فهو سبب من الأسباب الظاهرة ، التي تتوقف على مشيئة مسبب الأسباب ، رب العالمين جل وعلا .
الترجيح : ومن استعراض الأدلة نرى أن ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلا فإن السحر له حقيقة وله تأثير على النفس ، فإن إلقاء البغضاء بين الزوجين ، والتفريق بين المرء وأهله الذي أثبته القرآن الكريم ليس إلا أثرا من آثار السحر ، ولو لم يكن للسحر تأثير لما أمر القرآن بالتعوذ من شر النفاثات في العقد ، ولكن كثيرا ما يكون هذا السحر بالاستعانة بأرواح شيطانية فنحن نقر بأن له أثرا وضررا ولكن أثره وضرره لا يصل إلى الشخص إلا بإذن الله ، فهو سبب من الأسباب الظاهرة ، التي تتوقف على مشيئة مسبب الأسباب ، رب العالمين جل وعلا .
وأما استدلالهم :
بأنه يلتبس الأمر بين ( المعجزة ) و ( السحر ) إذا أثبتنا للسحر
حقيقة فنقول : إن الفرق بينهما واضح فإن معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على
حقائقها ، وظاهرها كباطنها ، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها ، وأما السحر
فظاهره غير باطنه ، وصورته غير حقيقته ، يعرف ذلك بالتأمل والبحث ، ولهذا أثبت القرآن
الكريم للسحرة أنهم استرهبوا الناس وجاءوا بسحر عظيم ، مع إثباته أن ما جاءوا به
إنما كان عن طريق التمويه والتخييل .
قال العلامة القرطبي :
« لا ينكر أحد أن يظهر على يد الساحر خرق العادات ، بما ليس
في مقدور البشر ، من مرض ، وتفريق ، وزوال عقل ، وتعويج عضو ، إلى غير ذلك مما قام
الدليل على استحالة كونه من مقدورات البشر .
قالوا :
ولا يبعد في السحر أن يستدق جسم الساحر حتى يلج في الكوات ، والخوخات ،
والانتصاب على رأس قصبة ، والجري على خيط مستدق ، والطيران في الهواء ، والمشي على
الماء ، وركوب كلب وغير ذلك ، ومع ذلك فلا يكون السحر موجبا لذلك ، ولا علة لوقوعه
، ولا سببا مولودا ، ولا يكون الساحر مستقلا به ، وإنما يخلق الله تعالى هذه
الأشياء ، ويحدثها عند وجود السحر ، كما يخلق الشبع عند الأكل ، والري عند شرب
الماء .
ثم قال :
ثم قال :
قد أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده من إنزال
الجراد ، والقمل ، والضفادع وفلق البحر ، وقلب العصا ، وإحياء الموتى ، وإنطاق
العجماء ، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام ، فهذا ونحوه مما يجب القطع
بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر .
Tidak ada komentar:
Posting Komentar