Kamis, 15 Oktober 2015

: هل النسخ جائز في الشرائع السماوية؟

قال الإمام الفخر : النسخ عندنا جائز عقلا ، واقع سمعا ، خلافا لليهود ، فإن منهم من أنكره عقلا ومنهم من جوزه عقلا ، لكن منع منه سمعا ، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ .

واحتج الجمهور : من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه ، أن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله ، فوجب القطع بالنسخ .

وأما الوقوع فقد حصل النسخ في الشرائع السابقة ، وفي نفس شريعة اليهود ، فإنه جاء في التوراة أن آدم عليه السلام أمر بتزويج بناته من بنيه ، وقد حرم ذلك باتفاق .

قال الجصاص في تفسيره « أحكام القرآن » : ( زعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقة ، أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد به نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين ، كالسبت ، والصلاة إلى المشرق والمغرب ، قال لأن نبينا عليه السلام آخر الأنبياء ، وشريعته باقية البتة إلى أن تقوم الساعة ، وقد بعد هذا القائل من التوفيق بإظهار هذه المقالة ، إذ لم يسبقه إليها أحد ، بل قد عقلت الأمة سلفها وخلفها من دين الله وشريعته نسخ كثير من شرائعه ، ونقل ذلك إلينا نقلا لا يرتابون به ، ولا يجيزون فيه التأويل ، وقد ارتكب هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أمورا خرج بها عن أقاويل الأمة ، مع تعسف المعاني واستكراهها ، وأكثر ظني فيه أنه إنما أتي به من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك ، واستعمال رأيه من غير معرفة منه بما قد قال السلف فيه ، ونقلته الأمة . . ) .
دليل أبي مسلم

احتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه العزيز بأنه { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } [ فصلت : 42 ] فلو جاز النسخ لكان قد أتاه الباطل

ب - كما تأول الآية الكريمة { ما ننسخ من آية } على أن المراد بها نسخ الشرائع التي في الكتب القديمة من التوارة والإنجيل ، أو المراد بالنسخ النقل من اللوح المحفوظ وتحويله إلى سائر الكتب .
ج - وقال : إن الآية السابقة لا تدل على وقوع النسخ بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه .
 
والجوال عن الأول : أن المراد أن هذا الكتاب لا يدخل إليه التحريف والتبديل ، ولا يكون فيه تناقض أو اختلاف { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [ النساء : 82 ] .
وأما الثاني والثالث : فإنه تأويل ضعيف لا تقوم به حجة ، ويناقض الواقع فقد نسخت كثيرا من الأحكام الشرعية بالفعل كنسخ القبلة ، ونسخ عدة المتوفى عنها زوجها إلى آخر ما هنالك مما سنبينه إن شاء الله من التفضيل



أدلة الجمهور

واستدل الجمهور على وقوع النسخ بحجج كثيرة نوجزها فيما يلي : 

الحجة الأولى : قوله تعالى : { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها } فهذه الآية صريحة في وقوع النسخ
الحجة الثانية : قوله تعالى : { وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر . . . }
[ النحل : 101 ] قالوا : إن هذه الآية واضحة كل الوضوح في تبديل الآيات والأحكام ،  والتبديل يشتمل على رفع وإثبات ، والمرفوع إما التلاوة ، وإما الحكم ، وكيفما كان فإنه رفع ونسخ .
 
الحجة الثالثة : قوله تعالى : { سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها . . . } [ البقرة : 142 ] ثم قال تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام } [ البقرة : 144 ] فقد كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس ، ثم نسخ ذلك وأمروا بالتوجه إلى المسجد الحرام .
 
الحجة الرابعة : أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولا كاملا في قوله جل ذكره { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول . . . } [ البقرة : 240 ] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال تعالى : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } [ البقرة : 234 ] .
 
الحجة الخامسة : أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة في قوله تعالى : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين } [ الأنفال : 65 ] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين } [ الأنفال : 66 ] فهذه الآيات وأمثالها في القرآن كثير تدل على وقوع النسخ فلا مجال للإنكار بحال من الأحوال ، ولهذا أجمع العلماء على القول بالنسخ ، حتى روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال لرجل : أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال : لا ، قال : هلكت وأهلكت الناس .
قال العلامة القرطبي : ( معرفة هذا الباب أكيدة ، وفائدته عظيمة ، لا تستغني عن معرفته العلماء ، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء ، لما يترتب عليه في النوازل من الأحكام ، ومعرفة الحلال من الحرام ، وقد أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه ، وهم محجوبون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة ) .
ثم قال : « لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء ، قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية ، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالما بمآل الأمور ، وأما العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح ، كالطبيب المراعي أحوال العليل ، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته ، لا إله إلا هو ، فخطابه يتبدل ، وعلمه وإرادته لا تتغير ، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى »

Tidak ada komentar:

Posting Komentar